سيد قطب
706
في ظلال القرآن
طريقة القرآن التصويرية العجيبة : فها هم أولاء ، بكل بواعثهم ، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم . . ها هم أولاء مكشوفين للأعين ، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر ، يكشف النوايا والسرائر ؛ ويكشف البواعث والدوافع . ها هم أولاء - كما كانوا على عهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - وكما يكونون في كل زمان وكل مكان . ها هم أولاء . ضعافا منافقين ملتوين ؛ صغار الاهتمامات أيضا : لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر ، ولا أفقا أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة . فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد . وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة ! إنهم يبطئون ويتلكئون ، ولا يصارحون ، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال ! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار : يتخلفون عن المعركة . . فإن أصابت المجاهدين محنة ، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين - في بعض الأحايين - فرح المتخلفون ؛ وحسبوا أن فرارهم من الجهاد ، ونجاتهم من الابتلاء نعمة : « فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ : قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً » . . إنهم لا يخجلون - وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة - أن ينسبوها للّه . اللّه الذي خالفوا عن أمره فقعدوا ! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة اللّه أبدا . فنعمة اللّه لا تنال بالمخالفة . ولو كان ظاهرها نجاة ! إنها نعمة ! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع اللّه . عند من لا يدركون لما ذا خلقهم اللّه . ولا يعبدون اللّه بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة . نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطئ الأقدام في هذه الأرض . . كالنمال . . نعمة عند من لا يحسون أن البلاء - في سبيل اللّه وفي الجهاد لتحقيق منهج اللّه وإعلاء كلمة اللّه - هو فضل واختيار من اللّه ، يختص به من يشاء من عباده ؛ ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري ، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة ، يملكونها ولا تملكهم . وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة . . في منازل الشهداء . . إن الناس كلهم يموتون ! ولكن الشهداء - في سبيل اللّه - هم وحدهم الذين « يستشهدون » . . وهذا فضل من اللّه عظيم . فأما إذا كانت الأخرى . . فانتصر المجاهدون ؛ الذين خرجوا مستعدين لقبول كل ما يأتيهم به اللّه . . ونالهم فضل من اللّه بالنصر والغنيمة . . ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة ! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة ! « وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ، لَيَقُولَنَّ - كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ - يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً » . إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب ، هي التي يقولون عنها : « فوزا عظيما » والمؤمن لا يكره الفوز بالإياب والغنيمة ؛ بل مطلوب منه أن يرجوه من اللّه . والمؤمن لا يتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل اللّه العافية . . ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور ، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسما مستنكرا منفرا . .